يزيد بن محمد الأزدي
87
تاريخ الموصل
يرضينى ويسدد سلطاني ، فأقام المغيرة على الكوفة عاملا لمعاوية سبع سنين وأشهرا ، وهو حسن السيرة ، إلا أنه لم يدع الدعاء لعثمان والوقيعة في علي رضي الله عنه ، وكان حجر بن عدي إذا سمع ذلك قال : أنا أشهد أن من تعيبون لأحق بالفضل ، وأن من تزكون لأولى بالذم ؛ فيقول له المغيرة : ويحك ! اتق غضب السلطان وسطوته ، فقام المغيرة يوما ، فأثنى على عثمان فصاح به حجر : إنك قد حبست أرزاقنا ، وأصبحت مولعا بتقريظ المجرمين ، وقام معه أكثر من ثلاثين يقولون : صدق حجر ، فمر لنا بأعطياتنا ؛ فنزل المغيرة ودخل عليه قومه فقالوا : علام تترك هذا الرجل يجترئ في سلطانك ، ولو بلغ معاوية كان أسخط له عليك ؟ ! فقال لهم المغيرة : إني قد قتلته ، إنه سيأتي أمير بعدى فيحسبه مثلي ؛ فيصنع به شبيها بما ترونه يصنع بي ، فيأخذه عند أول وهلة فيقتله شر قتلة ، إنه قد اقترب أجلى ، ولا أحب أن أبتدئ أهل هذا المصر بقتل خيارهم ، فيسعدوا بذلك وأشقى ، ويعز في الدنيا معاوية ويذل يوم القيامة المغيرة ، ولكني قابل من محسنهم ، وعاف عن مسيئهم ، وواعظ شقيهم حتى يفرق بيني وبينهم الموت ، وسيذكروننى ولو قد جربوا العمال بعدى . فلما هلك المغيرة وولى زياد بن أبي سفيان قام فذكر عثمان وأصحابه ، فقرظهم ، وذكر قتلتهم ولعنهم ، فقام حجر ففعل مثل الذي كان يفعل بالمغيرة ، فقال : ويل أمك يا حجر ! سقط بك العشاء على سرحان ، وفي رواية أخرى : أن زيادا خطب ، فأطال الخطبة وأخر الصلاة ؛ فقال له حجر بن عدي : الصلاة ! فمضى في خطبته ، ثم قال : الصلاة ، فلما خشي الفوت ضرب بيده إلى كف من الحصا ، وثار إلى الصلاة وثار الناس معه ؛ فنزل زياد فصلى بالناس ، ثم كتب إلى معاوية في أمره ، فاستشهد عليه جماعة من أهل مصره - منهم أبو بردة بن أبي موسى - أنه خلع الطاعة ودعا إلى الفتنة ؛ فكتب إليه معاوية أن شده في الحديد ثم احمله إليّ ، فبعثه إليه مع جماعة ممن يرى رأيه ، فاستوهب بعضهم ، وبقي بعضهم ، فقيل لهم : تبرءوا من علىّ حتى يطلقكم ، فلم يفعلوا ، فلما دخل حجر على معاوية قال : السلام عليك يا أمير المؤمنين ، فقال له معاوية : لا والله ، لا أقيلك ولا أستقيلك ، أخرجوه فاضربوا عنقه ، فأخرج فقال : دعوني أصلى ركعتين فصلاهما ، ثم قال لمن حضره من أهله : لا تطلقوا عنى حديدا ، ولا تغسلوا عنى دما ؛ فإني ألاقى معاوية غدا على الجادة ! ثم قدم فضربت عنقه ، وقتل معه جماعة من أصحابه ممن يرى رأيه . ولما لقيت عائشة أم المؤمنين معاوية قالت : يا معاوية ، أين كان حلمك عن حجر ؟ ! فقال لها : يا أم المؤمنين ، لم يحضرني رشيد . قال ابن سيرين : فبلغنا أنه لما حضرته